تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٦ - الإشارة الثالثة
و علوما له تعالى معا، فكل ما يعلمه أحد منّا يكون بعضا من علومه تعالى- سواء كانت علوما لنا أو معلومات-.
فحينئذ لا يحتاج إلى ارتكاب المجاز، لكن لما كان العلم عند هذا القائل مجرّد الإضافة احتاج إلى ذلك، لأن الإحاطة لا تتعلّق بالإضافة و لا التبعيض يناسبها.
الإشارة الثانية
أنه لا يعلمون الغيب إلا من جهة اطلاعه تعالى بعض ملائكته أو أنبيائه على بعض الغيب، كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [٧٢/ ٢٧].
الإشارة الثالثة
أنه لمّا ثبت أن لعلمه تعالى مراتب بعضها متقدّم على بعض و علّة له، و بعضها متأخّر عنه و معلول له، و المتأخّرات عين ذوات الأشياء فيكون علمه تعالى بذوات المجعولات- التي هي من مراتب علمه بوجه- علما فعليّا، و هو المشيّة الإلهية أيضا، لأن علمه الذي هو في مرتبة ذاته عين إرادته التي هي في تلك المرتبة بالذات و يعبّر عنها بالمشيّة الذاتية، و كذا كلّ مرتبة من مراتب علمه عين إرادته في تلك المرتبة، إذ مراتب الإرادة على وزان ما علمت في مراتب العلم، فلا محالة تكون علوم غيره معللة عن مشيّته الأصلية فلذا قال: وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي بسبب مشيته لأن «الباء» سببية و «ما» مصدرية، لا أنها صلة «يحيطون»- كما يتبادر إلى الأذهان أولا، و إن كان له وجه أيضا، لأن ما ذكرناه ألطف و أربط بما سبق و أليق بكلام الحق، لدلالته على أن مشيته